صعود الدولار يقوم على ركيزتين هشّتين
لماذا نرى أنّ علاوة الحرب والتضخم التي يتمتع بها الدولار الأمريكي آيلة إلى الزوال، وأنّ تراجعاً بنحو خمسة بالمئة في المؤشر هو السيناريو الأرجح خلال الأشهر المقبلة
سجّل الدولار الأمريكي أداءً لافتاً منذ اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير. فقد خرج مؤشر الدولار من نطاق التماسك الضيق بين 97.00 و98.50 الذي لازمه طوال فبراير، ليتداول اليوم قرب مستوى 101، بمكاسب تتراوح بين ثلاثة وأربعة بالمئة. هذا الصعود أعاد الحياة إلى سردية “الدولار الملاذ”، ودفع كثيراً من المحللين إلى إعادة النظر في توقعاتهم الهبوطية للعملة الأمريكية
غير أنّ قراءتنا مختلفة. فهذا الصعود يستند إلى ركيزتين، نعتقد أنّ كلتيهما مؤقتة: الأولى ستزيلها الدبلوماسية، والثانية قائمة على قراءة خاطئة لبيانات التضخم. والأهم من ذلك أنّ سوق النفط بدأت بالفعل في تفكيك هاتين الركيزتين معاً، كما سنوضح أدناه
الركيزة الأولى: طلب الملاذ الآمن
المصدر الأول لقوة الدولار هو ارتفاع درجة العزوف عن المخاطرة في الأسواق. فمع اندلاع الحرب، تدفقت رؤوس الأموال نحو الدولار بوصفه الملاذ الآمن الأول. وفي الأسبوع الأول من الحرب وحده، ارتفع مؤشر الدولار بنسبة 1.7 بالمئة مسجلاً أفضل أداء أسبوعي له منذ سبتمبر/أيلول 2024، بينما تكبّد اليورو أسوأ خسارة أسبوعية له منذ عام 2022، وعجز الذهب نفسه عن مجاراة الدولار في تلك المرحلة.
ثم جاء إغلاق مضيق هرمز الممر الذي يعبر منه نحو 20 بالمئة من الاستهلاك العالمي للنفط ليضاعف هذا الزخم. فالولايات المتحدة مصدّر صافٍ للطاقة، في حين أنّ أوروبا وآسيا مستوردتان لها، ما يعني أنّ أي صدمة نفطية تُلحق ضرراً بشروط التبادل التجاري لشركاء أمريكا أكثر مما تضرّ بأمريكا نفسها، فترتفع قيمة الدولار آلياً مقابل اليورو والين والجنيه الإسترليني
لكن النقطة الجوهرية هنا هي أنّ هذا الطلب على الدولار مستأجَر لا مملوك. فتدفقات الملاذ الآمن دالة في الحرب، وعلاوة النفط دالة في الحصار، ولا يعكس أيّ منهما تحسناً في الأساسيات الأمريكية لا في النمو، ولا في الإنتاجية، ولا في الوضع المالي للحكومة. وحين يزول الخوف، تزول التدفقات معه.
والخوف يزول فعلاً. فقد وُقّعت مذكرة تفاهم في 17 يونيو/حزيران، ورُفع الحصار عن مضيق هرمز، وبدأت نافذة تفاوضية مدتها 60 يوماً تمتد حتى منتصف أغسطس/آب للتوصل إلى اتفاق شامل. لا رؤية واضحة لدينا بشأن التوقيت الدقيق للاتفاق النهائي للسلام، ولا يملك أحد هذه الرؤية، والطريق إليه سيكون مليئاً بالضجيج خروقات لوقف إطلاق النار، وتصعيد كلامي، وتوترات متقطعة في لبنان. لكنّ هذه الحرب، بحكم تعريفها، مؤقتة. والحروب تنتهي، وعلاوات المخاطر تتلاشى، والأسواق التي تسعّر المستقبل لا الحاضر لن تنتظر مراسم التوقيع لتُخرج هذه العلاوة من الأسعار
النفط: من 115 دولاراً إلى 70 دولاراً بداية التفكيك
الدليل الأوضح على أنّ عملية التفكيك بدأت يأتي من سوق النفط ذاتها. فخام برنت، الذي تجاوز 115 دولاراً للبرميل في ذروة الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يتداول اليوم قرب 70 دولاراً فقط أي بتراجع يقارب 40 بالمئة من القمة، وعودة كاملة إلى مستويات ما قبل الحرب. وقد سجّل برنت في يونيو أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2020، مع استئناف تدفقات الشحن عبر المضيق التي تجاوزت 10 ملايين برميل يومياً، وقفزة الصادرات الإيرانية بعد رفع الحصار البحري، إضافة إلى تراكم المخزونات العائمة

دلالة هذا التحرك مزدوجة. فهو أولاً يؤكد أنّ علاوة المخاطر الجيوسياسية قابلة للانعكاس السريع بمجرد تحسّن مسار المفاوضات، وهو ما سينسحب على الدولار نفسه
فلنتأمل الحساب البسيط: الطاقة كانت المحرك شبه الوحيد لارتفاع التضخم الأمريكي خلال أشهر الحرب إذ قفز مؤشر أسعار الطاقة بنسبة 10.9 بالمئة في مارس/ وحده، وشكّل أكثر من ستين بالمئة من الزيادة الشهرية في مؤشر أسعار المستهلكين في مايو. والآن، مع انخفاض النفط من فوق 115 دولاراً إلى 70 دولاراً، فإنّ المكوّن نفسه الذي رفع التضخم الكلي سيصبح خلال الأشهر المقبلة قوة انكماشية مباشرة: أسعار البنزين ووقود التدفئة تتبع الخام النزولي بفارق زمني لا يتعدى أسابيع، والأثر الأساسي للمقارنة السنوية سيعمل لصالح التباطؤ شهراً بعد شهر حتى نهاية العام. بعبارة أخرى، الرياضيات ذاتها التي دفعت التضخم الكلي صعوداً ستسحبه هبوطاً، من دون أن يحرّك الاحتياطي الفيدرالي ساكناً.
الركيزة الثانية: وهم فورة النشاط الاقتصادي
المصدر الثاني لقوة الدولار أكثر إثارة للاهتمام، لأنه خطأ تحليلي صريح لا استجابة عقلانية للمخاطر.
لقد انقلبت الأسواق من تسعير خفضٍ لأسعار الفائدة إلى تسعير رفعها. ففي مطلع العام، كانت العقود الآجلة تسعّر خفضين بواقع 25 نقطة أساس لكل منهما خلال 2026. أما اليوم، فتشير الأسعار الضمنية إلى ارتفاع الفائدة من نطاقها الحالي بين 3.50 و3.75 بالمئة إلى نحو 3.8 بالمئة بحلول أكتوبر وقرابة 4 بالمئة مع نهاية العام. وزاد اجتماع يونيو للجنة السوق المفتوحة الطينَ بلّة: تسعة من أعضاء اللجنة باتوا يتوقعون رفعاً واحداً على الأقل هذا العام، ورفعت اللجنة توقعاتها لتضخم نفقات الاستهلاك الشخصي لعام 2026 من 2.7 إلى 3.6 بالمئة، فيما شدّدت القيادة الجديدة للفيدرالي على التزامها “القاطع” بهدف اثنين بالمئة

المشكلة أنّ هذه السردية تتجاهل تركيبة البيانات. لقد أكّدنا مراراً أنه لا يوجد في أيٍّ من مؤشرات التضخم ما يدلّ على فورة في النشاط الاقتصادي، وجاءت أحدث قراءة لمؤشر أسعار المستهلكين لتؤكد ذلك بوضوح.
صحيحٌ أنّ التضخم الكلي بلغ 4.2 بالمئة على أساس سنوي في مايو وهو رقم يبدو مقلقاً في العناوين. لكن بتفكيكه يتبدد القلق: فالارتفاع كله تقريباً من صنع الطاقة، أي من صنع الحرب. أما المؤشر الذي يعكس الحالة الحقيقية للاقتصاد الأمريكي التضخم الأساسي المستثني للغذاء والطاقة فيروي قصة مغايرة تماماً: ارتفاع شهري لم يتجاوز 0.2 بالمئة في مايو (بوتيرة سنوية تقارب 2.4 بالمئة)، ومعدل سنوي عند 2.9 بالمئة لم يتزحزح عملياً عن مستويات ما قبل الحرب. تكاليف السكن تتباطأ، ونمو الأجور عند نحو 3.5 بالمئة يتسق مع هدف الفيدرالي بعد احتساب الإنتاجية، ولا شيء في المكونات المدفوعة بالطلب يوحي باقتصادٍ يحتاج إلى مزيد من التقييد النقدي
ماذا تعني قراءة النفط للبيانات المقبلة؟
هنا تصبح الرزنامة الاقتصادية حاسمة، لأنّ الأشهر المقبلة ستحمل سلسلة من القراءات التي نتوقع أن تفكك سردية “الفيدرالي المضطر إلى الرفع” قراءةً تلو الأخرى
تقرير التضخم لشهر يونيو سيكون أول اختبار مباشر. فبرنت سجّل في يونيو أكبر هبوط شهري له منذ 2020، ما يعني أنّ مساهمة الطاقة في المؤشر الشهري سترتد من إيجابية كبيرة إلى سالبة أو محايدة في أحسن الأحوال بالنسبة لصقور الفيدرالي. أي قراءة شهرية معتدلة ستكفي لبدء تسييل رهانات الرفع
مؤشر أسعار المنتجين (15 يوليو) ثم نفقات الاستهلاك الشخصي (30 يوليو): انخفاض الخام يظهر عادة في أسعار المنتجين قبل المستهلكين، لذا نتوقع أن يقدّم تقرير أسعار المنتجين إشارة مبكرة أوضح على انحسار الضغوط، تليها قراءة مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي التي ستبدأ بالتقارب نزولاً نحو المعدل الأساسي
قراءات الصيف والخريف: إذا استقر برنت قرب 70 دولاراً، فإنّ حساب الأثر الأساسي وحده كفيلٌ بجرّ التضخم الكلي من 4.2 بالمئة نحو المعدل الأساسي البالغ 2.9 بالمئة تدريجياً خلال النصف الثاني من العام، ولربما دونه مع نهاية العام إذا واصل النفط التراجع. وعندها يفقد خطاب التشديد النقدي آخر ما تبقى له من سند في البيانات.
وتجدر الإشارة إلى أنّ السوق بدأت تلتقط هذه الإشارات فعلاً؛ فقد تراجع عائد سندات الخزانة لأجل عامين عقب أحدث بيانات الوظائف التي جاءت أخف من المتوقع، ما قلّص رهانات رفع الفائدة. هذه، في تقديرنا، البداية فحسب
المخاطر على هذا السيناريو
من باب الأمانة التحليلية، ثمة خطران رئيسيان على هذه الرؤية. الأول انهيار مسار السلام وعودة التصعيد الشامل، وفي هذه الحالة يستمر طلب الملاذ الآمن ويكون توقيت الدعوة مبكراً لا خاطئاً. والثاني أن نكون مخطئين بشأن انتقال أثر الطاقة: فإذا بدأت قراءات التضخم الكلي المرتفعة بالتسرب إلى الأجور وتوقعات التضخم، فسيمتلك صقور الفيدرالي عندئذٍ حجة حقيقية لا وهمية. والمؤشران الواجب مراقبتهما هما الزخم الشهري للتضخم الأساسي وبيانات الأجور وكلاهما، حتى اللحظة، يقف في صفّ قراءتنا.
يضاف إلى ذلك عامل فني لا يجوز إغفاله: فبعد أربعة أشهر من التدفقات أحادية الاتجاه، باتت المراكز الشرائية على الدولار مكتظة، ما يعني أنّ باب الخروج سيكون ضيقاً حين تنقلب السردية وهو ما يحدث في العادة
تعبّر هذه المقالة عن وجهة نظر الكاتب في التطورات الاقتصادية الكلية، ولا تُعدّ توصية استثمارية