تضخم يرتفع ونفط ينخفض أين تتجه الأسواق؟
أسبوع استثنائي يُسدل ستاره اليوم على وقع بيانات وأحداث غيّرت كثيراً من المعادلات التي دخلنا بها الأسبوع. التضخم الأمريكي جاء أعلى من المتوقع، وهرمز يُفتح ببطء، والأسهم التقنية الكبرى تتراجع بينما شركات الرقائق تُفاجئ الجميع بأرباح قياسية. المشهد متناقض ومن يفهم هذا التناقض يجد فيه فرصة.
التضخم الأمريكي: الرقم الذي لم يُرضِ أحداً
أمس الخميس، صدر المقياس الأمريكي المفضل لدى الفيدرالي لقياس التضخم عند 4.1% على أساس سنوي أعلى مستوى منذ أبريل 2023، ومرتفعاً من 3.8% في أبريل. والتضخم الأساسي الذي يستثني الطاقة والغذاء جاء عند 3.4%، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر 2023
الرقم جاء في الحدود المتوقعة لا صدمة كبرى لكنه يظل بعيداً جداً عن هدف الفيدرالي البالغ 2%. الإنفاق الشخصي للمستهلك الأمريكي ارتفع بنسبة 0.7% في الشهر، أعلى من التوقعات، فيما ارتفع الدخل الشخصي بنسبة 0.7% أيضاً، متجاوزاً توقعات 0.4%. أمريكيون يُنفقون أكثر، ويكسبون أكثر وهذا في ظل تضخم مرتفع يعني أن الضغوط على الأسعار لن تتراجع من تلقاء نفسها
بنك أوف أمريكا بات يتوقع ثلاثة رفعات للفائدة هذا العام، لترتفع إلى نطاق 4.25-4.50% من مستواها الحالي عند 3.50-3.75%. هذا تحول جذري في التوقعات قبل أشهر قليلة كان السوق يُسعّر تخفيضات، واليوم يُسعّر رفعات متعددة
لكن هناك تحفظ مهم يمنع الهلع: رقم مايو قد يكون ذروة موجة التضخم الحالية، لأن تراجع أسعار النفط في يونيو الناجم عن تقدم مفاوضات هرمز لم ينعكس بعد في بيانات مايو. إذا استمر النفط في التراجع، فإن يونيو سيُسجّل تحسناً ملموساً
هرمز: النفط يعود إلى مستويات ما قبل الحرب
التطور الأهم هذا الأسبوع لم يكن رقماً اقتصادياً بل جاء من مضيق هرمز. الرئيس ترامب أعلن أن إيران أخبرته بأنه لن تكون هناك أي رسوم أو تكاليف تأمين أو أعباء من أي نوع على السفن العابرة عبر المضيق، وبدأت السفن فعلياً بالإبحار عبره مع تشغيل إشارات الأقمار الصناعية وهو مؤشر على ثقة متنامية في سلامة الملاحة
النتيجة المباشرة: النفط الأمريكي تراجع إلى 70 دولاراً للبرميل أدنى مستوى منذ أوائل مارس فيما انخفض خام برنت إلى 73.74 دولار، وهو أدنى مستوى منذ ما قبل الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في فبراير
هذا التراجع في النفط هو الخبر الجيد الوحيد في معركة الفيدرالي ضد التضخم. الطاقة كانت المحرك الأكبر لارتفاع الأسعار وتراجعها يُخفف الضغط مستقبلاً. السوق يُسعّر احتمالاً بنسبة 80% لرفع الفائدة في ديسمبر، وحوالي 63% لرفع في سبتمبر لكن هذه الأرقام قد تتراجع إذا استمر النفط في الانخفاض
الرقائق والذكاء الاصطناعي: قصة داخل القصة
وسط كل هذه الضبابية الاقتصادية الكلية، جاءت أرباح شركة ميكرون للرقائق لتُعيد رسم الصورة في قطاع التقنية. ميكرون حققت ربحاً للسهم بلغ 25.11 دولار، متجاوزاً توقعات المحللين البالغة 20.49 دولار بفارق كبير. الأسهم قفزت أكثر من 15% في أعقاب النتائج، ورفعت معها شركات مرتبطة بصناعة الرقائق.
لماذا يهمك هذا حتى لو لم تستثمر في التقنية؟ لأن ميكرون هي مرآة الطلب على الذكاء الاصطناعي. أرباحها القياسية تُشير إلى أن الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لم يتوقف رغم كل مخاوف الفائدة وهذا يعني أن محرك نمو حقيقي لا يزال يعمل خلف الكواليس
في المقابل، آبل تراجعت أكثر من 6% بعد أن أعلنت رفع أسعار أجهزة الكمبيوتر المحمول والآيباد، محتجّةً بارتفاع تكاليف المكونات وبالذات الرقائق. وإنفيديا وميكروسوفت وأمازون وميتا جميعها في منطقة حمراء
المشهد إذن ليس “تقنية ترتفع” أو “تقنية تنخفض” بل هو فرز دقيق داخل القطاع: شركات تُصنّع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في صعود، وشركات تبيع الأجهزة للمستهلك تحت ضغط.
الذهب: التصحيح الذي يطرح تساؤلات
الذهب انخفض دون 4,000 دولار للأونصة يوم الجمعة، في طريقه لتسجيل خسارة تتجاوز 5% هذا الأسبوع، مع تراجع المخاوف الجيوسياسية بفضل تقدم مفاوضات هرمز، فيما يتراجع معدنه إلى ما دون أعلى مستوياته التاريخية البالغة 5,595 دولاراً في يناير بأكثر من%20 لكن هل هذا نهاية موجة الذهب؟ البنوك المركزية حول العالم اشترت 244 طناً صافياً من الذهب في الربع الأول من 2026، والتوقعات المؤسسية الكبرى تضع الأسعار المستهدفة بين 25% و44% فوق مستوياتها الحالية. الطلب البنيوي لم يتغير ما تغيّر هو توقعات الفائدة الأمريكية. وإذا تراجعت هذه التوقعات مع تراجع النفط، فإن الذهب سيجد دعماً جديداً.
ثقة المستهلك الأمريكي: الاستطلاع الأخير
اليوم، الجمعة 27 يونيو، يصدر الاستطلاع النهائي لجامعة ميشيغان لثقة المستهلك الأمريكي وهو يقيس شيئاً بسيطاً لكن بالغ الأهمية: هل يشعر الأمريكيون بالتفاؤل؟ هل يُخططون للإنفاق أم للادخار؟ في بيئة التضخم الحالية، توقعات المستهلك عن الأسعار المستقبلية تؤثر مباشرة على قرارات الفيدرالي.
الصورة الكاملة: أسبوع يُلخّص ما هو آتٍ
دخلنا الأسبوع بسؤال واحد: هل التضخم يتراجع؟ خرجنا بإجابة مركّبة التضخم لا يزال مرتفعاً، لكن محركه الأكبر وهو النفط يتراجع. وهذا يضع المستثمر أمام سيناريوهين:
الأول: النفط يستمر في التراجع مع استقرار هرمز، التضخم ينخفض في أرقام يونيو، والفيدرالي يتريّث في رفع الفائدة وهذا يدعم الأسهم ويُخفف الضغط على السندات.
الثاني: المفاوضات تتعثر، النفط يرتد، والتضخم يبقى متصاعداً ما يدفع الفيدرالي نحو رفع مزدوج في النصف الثاني من العام، وهذا يعني ضغطاً متجدداً على الأسواق.
في كلا السيناريوهين، البيانات الاقتصادية المقبلة لا التوقعات هي من ستُحدد الاتجاه