الدولار والأسهم أمام اختبار التضخم والفيدرالي
جاء تقرير مؤشر أسعار المستهلك لشهر يونيو بمفاجأة حقيقية نحو الانخفاض. فقد تراجع المؤشر العام بنسبة 0.4% على أساس معدّل موسمياً في يونيو بعد ارتفاعه 0.5% في مايو وهو أكبر انخفاض شهري منذ أبريل 2020 ليهبط المعدل السنوي إلى 3.5%. وكان الاقتصاديون في استطلاع داو جونز يتوقعون انخفاضاً شهرياً بنسبة 0.2% ومعدلاً سنوياً عند 3.8%، بعد قراءة مايو البالغة 4.2%. أما التضخم الأساسي فجاء مستقراً على أساس شهري، ليبلغ معدله السنوي 2.6% مقابل توقعات بنسبة % 2.9
وتكوين البيانات هنا هو الأهم. فقد انخفضت تكاليف الطاقة بنسبة 5.7% خلال الشهر مع تخفيف وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران للضغوط من مكوّن الطاقة، فيما هبطت أسعار البنزين بنسبة 9.7%. غير أن التحسّن وهذا هو الجوهري لم يكن قصة نفط خالصة إذ إن استقرار القراءة الأساسية، إلى جانب ثبات التضخم قد يمنح الاحتياطي الفيدرالي الثقة بأن رفع الفائدة ليس ضرورياً في الأمد القريب

وارش: متشدد في النبرة، متحفظ في الجوهر
بعد ساعات من صدور البيانات، أدلى رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش بأول شهادة نصف سنوية له أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب. وكانت رسالته قاطعة في نيّتها: “أعضاء لجنتنا لا يتسامحون مع تضخم مرتفع بشكل مستمر… وإذا أصبنا في السياسة وسنصيب فإن موجة التضخم التي شهدتها السنوات الخمس الأخيرة ستصبح شيئاً من الماضي”. ورفض صراحةً أي قراءة احتفالية لبيانات الصباح: “قد يرى البعض بيانات هذا الصباح ويقول: تمّت المهمة وكل شيء على ما يرام. هذا ليس رأيي”، مضيفاً أمام المشرّعين: “إنها نقطة بيانات واحدة”.

ومع ذلك، لم يقدّم وارش للأسواق ما يُتداول عليه بشأن مسار الفائدة الفعلي. فقد قدّم القليل خلال جلسة الأسئلة والأجوبة حول توقعاته لأسعار الفائدة، بعدما جعل من التحفّظ تجاه “التوجيه المستقبلي” سمةً مميزة لبداية ولايته على رأس البنك المركزي، رافضاً المشاركة في مخطط توقعات أعضاء اللجنة ومتجنباً الأسئلة التي قال إنها “تبدو كتشجيع له على تقديم توجيه مستقبلي”. وكان متفائلاً بشأن الاقتصاد، إذ وصف سوق العمل بأنه مستقر عموماً مع نمو قوي في الأجور الاسمية، فيما كان أكثر حذراً تجاه طفرة الذكاء الاصطناعي قائلاً: “لا نعرف إلى أي مدى سيستفيد الاقتصاد من هذا البناء الضخم”، مؤكداً أن البنك يراقب تداعياته على التضخم وسوق العمل
اقرا ا يضا مقالنا عن كيف تتعامل الأسواق مع صمت البنك المركزي؟
ردّ الفعل الفوري: إعادة تسعير للفائدة، بيع للدولار، وطلب على التكنولوجيا
كانت إعادة التسعير في سوق الفائدة سريعة وكبيرة. فقد انهارت احتمالات رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع يوليو إلى نحو 17% بعدما كانت 42% يوم الاثنين وفق أداة مجموعة شيكاغو التجارية لمراقبة الفيدرالي، وهبط عائد سندات الخزانة لأجل عامين بما يصل إلى 14 نقطة أساس إلى 4.14%، متجهاً نحو أكبر انخفاض يومي له منذ فبراير. وهذه رحلة ذهاب وإياب لافتة: فقبل يوم واحد فقط، كانت عقود خيارات الفائدة تسعّر احتمال رفعٍ بربع نقطة في يوليو عند نحو 50% بعد تحذير المحافظ والر من أن قراءة أساسية ساخنة قد تستدعي تشديداً فورياً
وتحمّل الدولار العبء الأكبر. إذ تعرّضت العملة الأمريكية لموجة بيع عقب أول انخفاض شهري في الأسعار الأمريكية منذ ست سنوات، فيما صعد اليورو مقابل الدولار نحو منطقة 1.1440 مع اشتداد التراجع في العملة الأمريكية بعد خيبة بيانات التضخم وتقييم المستثمرين لشهادة وارش، واستعاد الذهب مستوى 4,000 دولار مقترباً من منطقة 4,100 دولار.
أما الأسهم فالتقطت الإشارة إيجاباً بقيادة أسهم النمو الحساسة لأسعار الفائدة. فمع نهاية اليوم الأول من شهادة وارش، ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.5%، وصعد مؤشر ناسداك المجمّع الغني بالتكنولوجيا 1.1%، وكسب مؤشر راسل 2000 نسبة 0.4%، فيما تراجع مؤشر داو جونز الصناعي مع انهيار سهم شركة آي بي إم بنسبة% 25
ما الذي ينتظر الدولار الأمريكي؟
مسار المقاومة الأدنى للدولار في الأمد القريب هو تماسك متذبذب مع ميل طفيف نحو الهبوط، لكن السيناريو الهبوطي بعيد عن الوضوح الكامل. فقد أزال تقرير التضخم علاوة رفع الفائدة في يوليو التي كانت تدعم العملة، غير أن القناة الجيوسياسية تعيد بناءها بنشاط. إذ أعلن الرئيس ترامب يوم الاثنين خططاً لإعادة فرض حصار على مضيق هرمز، ما دفع العقود الآجلة لخام برنت للقفز نحو 10% وقد يعيد إشعال التضخم الإجمالي في يوليو. وبالفعل، جرى تداول خام برنت فوق 86 دولاراً للبرميل صباح اليوم، بارتفاع يقارب 9% خلال خمسة أيام
وهذا يخلق اختلالاً مقلقاً: فالانكماش التضخمي الذي تحتفي به الأسواق هو في معظمه أثرٌ لأسعار طاقة يونيو، وقد تعكسه بيانات يوليو جزئياً. وكما قال ريان ويلدون مدير الاستثمار في إحدى شركات إدارة الأصول: “كلما طال أمد الصراع، ارتفعت احتمالية اضطرار الفيدرالي إلى رفع الفائدة للوفاء بوعده بتحقيق استقرار الأسعار” وهي نتيجة إيجابية للدولار عبر الطرف القصير من منحنى العائد. ولنتذكّر أن التحوّل المتشدد في اجتماع يونيو للجنة السوق المفتوحة الفيدرالية رفع مؤشر الدولار بنسبة 1% في جلسة واحدة.
من المرجح أن يبني مؤشر الدولار قاعدة في منطقة 101–100 المنخفضة بدلاً من كسرها نزولاً بشكل حاسم، إذ توفر إعادة تسعير احتمالات الرفع (سبتمبر هو الاجتماع الحيّ الآن وليس يوليو) والطلب على الملاذ الآمن عند أي تصعيد في هرمز أرضيةً داعمة. أما اتجاه هبوطي مستدام للدولار فيتطلب على الأرجح أمرين معاً: تهدئة دائمة في الشرق الأوسط، وقراءة أساسية لينة ثانية على التوالي في تقرير 12 أغسطس
ما الذي ينتظر الأسهم الأمريكية؟
بالنسبة للأسهم، فإن مزيج اليوم تراجع عوائد الأجل القصير، وفيدرالي متشدد لكن صبور، واقتصاد لا يزال متيناً بنّاءٌ لمستوى المؤشرات العامة، لكنه يرجّح استمرار تقلبات التدوير القطاعي تحت السطح. وقيادة الصعود تروي القصة: فانخفاض توقعات الفائدة الحقيقية يفيد أسهم التكنولوجيا طويلة الأمد بشكل غير متناسب، وقد صعد مؤشر ناسداك 100 بنسبة 1.1% مدعوماً بتعافي عمالقة الذواكر في كوريا الجنوبية الذي رفع نظراءهم في الولايات المتحدة بعد عمليات البيع العنيفة التي قادتها أسهم الرقائق يوم الاثنين
ثلاث ديناميكيات ستحكم الأسابيع المقبلة. أولاً، اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في 28–29 يوليو بات على الأرجح اجتماع تثبيت، إذ يمنح تقرير يونيو المسؤولين مساحةً لإبقاء الفائدة عند مستوياتها الحالية عند اجتماعهم في وقت لاحق من هذا الشهر لكن المحافظ والر قال إن الأمر سيتطلب عدة أشهر من القراءات الإيجابية لإقناعه بأن التضخم يعود نحو هدف 2%، فيما لا يزال السوق يتوقع على نطاق واسع رفعاً للفائدة بحلول سبتمبر. فالأسهم إذاً تتداول على هدنة مؤقتة، لا على تحوّل جذري في السياسة. ثانياً، النفط هو العامل المرجّح: فكل دولار يضيفه خام برنت نحو 100 دولار يعيد إحياء رهانات الرفع ويضغط على مضاعفات التقييم ويضرب مجمّع الذكاء الاصطناعي عالي الحساسية بقوة أكبر إذ تشهد أسهم الرقائق، التي كانت من أكثر صفقات العام ربحيةً، عمليات جني أرباح مع تحوّل البيئة الاقتصادية الكلية. ثالثاً، موسم نتائج الأعمال انطلق فعلياً، حيث ستحدد نتائج البنوك الكبرى النبرة، مع تركّز الاهتمام على صافي دخل الفوائد وصحة نشاط الاندماجات والاكتتابات.
السيناريو الأساسي: سوقٌ محصورة النطاق تقودها العناوين حتى اجتماع يوليو، مع أفضلية نسبية لأسهم النمو الكبيرة عالية الجودة وأسهم القطاع المالي، فيما تبقى أسهم الشركات الصغيرة والأسماء المضاربية طويلة الأمد الأكثر عرضةً لأي إعادة تسعير متشددة أو مدفوعة بالنفط. والخطر الأهم على هذه الرؤية هو عودة تسارع أسعار الطاقة وانتقالها إلى تقرير تضخم يوليو وهو ما سيصطدم برئيس بنكٍ مركزي ربط مصداقيته، بكلماته هو، بجعل التضخم “شيئاً من الماضي”، وأثبت أنه لا يمانع أن تتجرّع الأسواق مفاجآت متشددة.