preloader
لماذا يرتفع الذهب, ماذا يحدث في سوق السندات؟

لماذا يرتفع الذهب, ماذا يحدث في سوق السندات؟

في الوقت الذي ما زالت فيه الحرب والمخاطر الجيوسياسية حاضرة، وما زال التضخم الأمريكي أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، ظهر تطور جديد في الأسواق قد يكون أكثر أهمية بالنسبة للذهب مما يبدو للوهلة الأولى: وزارة الخزانة الأمريكية بدأت تتحرك للتعامل مع ارتفاع العوائد طويلة الأجل، بل وتدرس استخدام جزء كبير من رصيدها النقدي لتمويل عمليات إعادة شراء السندات. وهذا يطرح سؤالًا مهمًا: هل ما نشهده هو مجرد عملية فنية لإدارة سوق السندات، أم بداية تدخل أكبر قد يغير توقعات أسعار الفائدة والسياسة النقدية؟

في 19 أغسطس، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أنها ستضاعف على الأقل حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل، من حد أقصى يبلغ 2 مليار دولار إلى 4 مليارات دولار لكل عملية، بدءًا من 9 سبتمبر. وستركز العمليات على السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و20 عامًا، وبين 20 و30 عامًا

لكن التطور الأهم جاء اليوم، مع تقارير تفيد بأن وزارة الخزانة قد تستخدم نحو 950 مليار دولار إلى قرابة تريليون دولار موجودة في حساب الخزانة العام 
(Treasury General Account – TGA) لتمويل عمليات إعادة شراء إضافية للسندات طويلة الأجل.

فالخزانة لا تتعامل مع سوق السندات من فراغ. الولايات المتحدة تجاوزت للمرة الأولى حاجز 40 تريليون دولار من الدين العام، بينما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الدين الحكومي الإجمالي قد يصل إلى نحو 40.7 تريليون دولار في 2026، أي ما يعادل حوالي 125.8% من الناتج المحلي الإجمالي
كلما ارتفعت عوائد السندات، أصبحت تكلفة تمويل هذا الدين أكبر، ولذلك فإن ارتفاع العوائد طويلة الأجل أصبح مشكلة مالية وليست مجرد حركة في سوق السندات


ما هو الحساب العام للخزانة

ببساطة: هو الحساب الجاري للحكومة الأمريكية لدى الاحتياطي الفيدرالي. تدخله الضرائب وحصيلة إصدارات الدين، وتخرج منه المصروفات الحكومية. رصيده الحالي نحو 950 مليار دولار، أي أعلى بكثير من النطاق المستهدف الذي كان بين 550 و600 مليار دولار في عهد إدارة بايدن



كيف يمكن لشراء السندات أن يخفض العوائد؟

عندما تشتري وزارة الخزانة سندات موجودة بالفعل في السوق، فإنها تزيد الطلب عليها. ارتفاع الطلب يؤدي إلى ارتفاع أسعار السندات، وبما أن سعر السند والعائد عليه يتحركان في اتجاهين متعاكسين، فإن ارتفاع سعر السند يؤدي نظريًا إلى انخفاض العائد وهذا مهم خصوصًا في الجزء الطويل من منحنى العائد
فعائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات وصل مؤخرًا إلى مستويات تقارب 4.7%، بينما تجاوز عائد السندات لأجل 30 عامًا 5.3% ووصل في إحدى المراحل إلى 5.34%، وهو أعلى مستوى منذ 2007. وحتى بعد ظهور أخبار استخدام حساب الخزانة، تراجع عائد 10 سنوات من نحو 4.718% إلى 4.698%، بينما انخفض عائد 30 سنة من 5.276% إلى 5.239% قبل أن يعاود الارتفاع.

وهذا يعطينا إشارة مهمة: السوق استجاب للخبر، لكنه لم يقتنع بالكامل

فإذا كان مجرد الإعلان عن إمكانية استخدام ما يقارب تريليون دولار كافيًا لخفض العوائد بشكل مستدام، لكان من المفترض أن نشهد انخفاضًا أكبر وأطول في عوائد السندات. لكن العوائد عادت إلى الارتفاع سريعًا، ما يشير إلى أن المستثمرين ما زالوا يطلبون علاوة مرتفعة للاحتفاظ بالدين الأمريكي طويل الأجل

لكن ماذا علاقة ذلك بقرار الاحتياطي الفيدرالي؟

هنا يجب التمييز بين أمرين

وزارة الخزانة لا تحدد سعر الفائدة الأساسي. الاحتياطي الفيدرالي هو من يفعل ذلك

والاجتماع المقبل للجنة السوق المفتوحة مقرر يومي 15 و16 سبتمبر 2026. وفي اجتماع يوليو، أبقى الفيدرالي سعر الفائدة في نطاق 3.50%–3.75%، لكن القرار لم يكن بالإجماع؛ فقد عارض ثلاثة أعضاء القرار وفضلوا رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس

إذن لماذا أصبحت الأسواق أقل اقتناعًا بأن الفيدرالي سيرفع الفائدة في سبتمبر؟

السبب ليس أن عمليات إعادة شراء الخزانة تمنع الفيدرالي قانونيًا أو مباشرةً من رفع الفائدة، وإنما لأنها تغير الصورة المالية والاقتصادية التي ينظر إليها صانعو السياسة

أحد الأسباب المهمة هو أن أي رفع جديد للفائدة سيزيد الضغط على المالية الأمريكية في وقت تواجه فيه الحكومة أصلًا تكلفة مرتفعة لخدمة دين يتجاوز 40 تريليون دولار. فارتفاع سعر الفائدة لا يؤثر فقط على الأسر والشركات، بل يرفع أيضًا تكلفة إصدار وتجديد الديون الحكومية مع مرور الوقت، ما يعني أن كل زيادة إضافية في الفائدة قد تترجم في النهاية إلى مليارات الدولارات الإضافية من مدفوعات الفائدة. ومع وصول صافي مدفوعات الفائدة الحكومية إلى مستويات قياسية واقترابها من تريليون دولار خلال السنة المالية 2026، تصبح مهمة السيطرة على العوائد أكثر حساسية بالنسبة لواشنطن

وفي الوقت نفسه، فإن وزارة الخزانة تحاول بالفعل الحد من ارتفاع العوائد طويلة الأجل من خلال زيادة عمليات إعادة شراء السندات، بينما لا يزال عائد السندات لأجل 30 عامًا فوق 5.2%

لذلك، فإن رفع الفائدة في سبتمبر قد يؤدي إلى مزيد من التشديد المالي في وقت تحاول فيه الحكومة احتواء تكلفة الاقتراض. وهذا لا يعني أن الفيدرالي لن يرفع الفائدة إذا رأى أن التضخم يستدعي ذلك، لكنه يوضح لماذا أصبح قرار سبتمبر أكثر تعقيدًا، ولماذا قد يفضل صناع السياسة الانتظار بدلًا من إضافة ضغط جديد على اقتصاد وسوق سندات يواجهان بالفعل تكاليف تمويل مرتفعة


وماذا يعني كل ذلك للذهب؟



هنا تصبح القصة أكثر إثارة، لأن الذهب لا يراقب فقط قرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن سعر الفائدة، بل يتأثر أيضًا بمسار العوائد الحقيقية، وقوة الدولار، والتضخم، ومستويات الدين، وثقة المستثمرين في النظام المالي الأمريكي

فإذا أصبحت الأسواق أكثر اقتناعًا بأن الفيدرالي لن يرفع الفائدة في سبتمبر، فقد يتراجع الضغط الناتج عن ارتفاع العوائد الحقيقية، وهو ما قد يوفر دعمًا للذهب

وفي الوقت نفسه، إذا نجحت وزارة الخزانة في استخدام عمليات إعادة شراء السندات لاحتواء ارتفاع العوائد طويلة الأجل، فقد يكون ذلك إيجابيًا للذهب أيضًا، لأن انخفاض العوائد يقلل من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصل لا يدر فائدة مثل الذهب. لكن المفارقة أن فشل الخزانة في خفض العوائد قد يكون أكثر أهمية على المدى الطويل؛ فإذا استمر المستثمرون في المطالبة بعوائد مرتفعة رغم تدخل الخزانة، فقد يكون ذلك إشارة إلى مخاوف أعمق بشأن حجم الدين الأمريكي، والعجز المالي، والكمية الكبيرة من السندات التي تحتاج الحكومة إلى إصدارها لتمويل احتياجاتها.

لذلك، قد يكون الذهب في هذه المرحلة يراقب سوق السندات بقدر ما يراقب التضخم والحرب. فالسؤال لم يعد فقط: هل سيرفع الفيدرالي الفائدة؟ بل أصبح: هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على ثقة المستثمرين في سوق سنداتها في ظل دين يتجاوز 40 تريليون دولار، وعوائد طويلة الأجل تتجاوز 5%، وحاجة مستمرة إلى تمويل العجز؟ وإذا بقيت الإجابة غير واضحة، فقد يستمر الذهب في الاستفادة من الطلب على الأصول التي لا تعتمد على قدرة أي حكومة على سداد الديون أو الحفاظ على قيمة عملته



الأسئلة الشائعة حول السندات والعوائد (Bonds & Yields)
السندات هي أدوات دين تصدرها الحكومات أو الشركات لتمويل أنشطتها، حيث يقوم المستثمر بإقراض المال مقابل عائد. العائد (Yield) يمثل نسبة الربح التي يحصل عليها المستثمر بناءً على سعر السند في السوق. العلاقة الأساسية هي أن سعر السند والعائد يتحركان في اتجاهين متعاكسين.
عندما يرتفع الطلب على السندات، يرتفع سعرها، وبالتالي ينخفض العائد لأن العائد ثابت نسبيًا. وعندما تنخفض الأسعار بسبب البيع، يرتفع العائد. هذه العلاقة هي أساس فهم حركة أسواق الدخل الثابت.
تتحرك العوائد بناءً على عدة عوامل رئيسية: – سياسات البنوك المركزية (أسعار الفائدة) – توقعات التضخم – النمو الاقتصادي – العرض والطلب على السندات – المخاطر الجيوسياسية

ارتفاع التضخم أو الفائدة يؤدي عادة إلى ارتفاع العوائد.
العوائد الحقيقية = العوائد الاسمية – التضخم.

تعتبر من أهم المؤشرات التي تراقبها المؤسسات لأنها تعكس العائد الحقيقي بعد استبعاد تأثير التضخم. على سبيل المثال، ارتفاع العوائد الحقيقية غالبًا ما يضغط على الذهب والأسهم، بينما انخفاضها يدعم الأصول الخطرة.
منحنى العائد يوضح العلاقة بين عوائد السندات وآجالها الزمنية. في الوضع الطبيعي، تكون العوائد طويلة الأجل أعلى من القصيرة.

انعكاس المنحنى يحدث عندما تصبح العوائد القصيرة أعلى من الطويلة، وهو إشارة قوية تاريخيًا على اقتراب ركود اقتصادي.
تستخدم المؤسسات العوائد كمؤشر رئيسي لتحديد اتجاه الأسواق:

– ارتفاع العوائد ← ضغط على الأسهم والذهب
– انخفاض العوائد ← دعم للأصول الخطرة

استراتيجية احترافية:
راقب العوائد الحقيقية (Real Yields) وليس فقط الاسمية. إذا ارتفعت العوائد الحقيقية مع قوة الدولار ← إشارة قوية لبيع الذهب.

كذلك، عند انعكاس منحنى العائد، تبدأ المؤسسات بتقليل المخاطر (risk-off) والاستعداد لركود اقتصادي، مما يخلق فرصًا كبيرة في الأسواق.
من منظور الشريعة الإسلامية، تُعتبر السندات التقليدية غير متوافقة، لأنها تعتمد على الفائدة (Interest) والتي تُصنّف ضمن الربا.

تعتمد السندات على عائد ثابت أو شبه ثابت مقابل الإقراض، وهو ما لا يتماشى مع مبادئ التمويل الإسلامي القائمة على تقاسم المخاطر.

كبديل، يمكن النظر في الصكوك (Sukuk)، وهي أدوات مالية متوافقة مع الشريعة تعتمد على أصول حقيقية وهياكل استثمارية قائمة على المشاركة.