معضلة الدولار: محاربة التضخم، تمويل الصراعات، وإضعاف العملة
ارتفعت احتمالات حدوث إغلاق جديد للحكومة الأمريكية قبل 31 يناير إلى 75٪. ورغم أن الأسواق اعتادت النظر إلى هذه الإغلاقات كأزمات سياسية عابرة، فإن الظرف الحالي يجعلها أكثر خطورة من أي وقت مضى. فالمشكلة لم تعد مجرد شلل سياسي مؤقت، بل تناقضًا بنيويًا عميقًا في قلب السياسة الاقتصادية الأمريكية
نحن أمام دولة تهيمن عملتها على النظام المالي العالمي، وتسعى في الوقت نفسه إلى فرض نفوذها الاقتصادي خارجيًا، وحماية صناعاتها المحلية عبر الرسوم الجمركية، والحفاظ على مستوى معيشة مرتفع داخليًا وكل ذلك في ظل توسع مالي غير مسبوق وتضخم في حجم الديون.
كل ذلك يتطلب إنفاقًا ضخمًا: دعم صناعي، إنفاق عسكري، برامج اجتماعية، وفوائد ديون متراكمة
بدلًا من رفع الضرائب أو تقليص الإنفاق وهما خياران سياسيًا مكلفان تختار الدولة الحل الأسهل الاقتراض المستمر، ثم السماح لعملتها بالتراجع تدريجيًا لتخفيف العبء الحقيقي للديون
تناقض السياسات الاقتصادية
الولايات المتحدة تطبق مسارين متعاكسين في الوقت ذاته
- التشدد التجاري والاقتصادي
الرسوم الجمركية، القيود التجارية، وإعادة توطين الصناعات ترفع تكاليف الإنتاج وتغذي التضخم - التوسع المالي والنقدي
عجز مالي مزمن، إصدار متواصل للسندات، وضخ سيولة مباشر وغير مباشر للحفاظ على استقرار الأسواق
النتيجة الطبيعية لهذا التناقض هي الضغط المستمر على الدولار
لا يمكن محاربة التضخم، وتمويل عجز ضخم، والحفاظ على عملة قوية في آنٍ واحد. أحد هذه العناصر لا بد أن ينهار
الدين العام: قوة الجاذبية الخفية
بلغ إجمالي الدين الأمريكي قرابة 37 تريليون دولار في أغسطس، وارتفع إلى 38.4 تريليون دولار بحلول ديسمبر
أي زيادة قدرها 2.23 تريليون دولار خلال عام واحد، دون أزمة صحية أو ركود عميق
المشكلة الحقيقية ليست حجم الدين، بل تكلفة خدمته
مع إعادة تمويل الديون القديمة منخفضة الفائدة بأسعار أعلى، أصبحت فوائد الدين بندًا يفوق الإنفاق العسكري نفسه
وهنا يدخل النظام مرحلة حساس
لماذا يصبح التضخم وضعف الدولار أداة سياسية
تاريخيًا، لا تملك الدول المثقلة بالديون سوى أربعة خيارات
- التخلف عن السداد
- التقشف الحاد
- نمو اقتصادي استثنائي
- التضخم والقمع المالي
الخيار الرابع هو الأكثر استخدامًا
التضخم يقلل القيمة الحقيقية للدين، وضعف الدولار ينقل جزءًا من التكلفة إلى حاملي العملة والسندات حول العالم
بما أن الديون الأمريكية مقومة بالدولار، فإن تراجع قوته يعمل كـضريبة غير معلنة على العالم
رغم الخطاب الرسمي عن تشديد السياسة النقدية
- العجز المالي ما زال مرتفعًا
- السيولة تعود للأسواق عند كل توتر
- التنسيق غير المباشر بين الخزانة والاحتياطي الفيدرالي مستمر
هذا ما يمكن وصفه بـ التيسير الكمي المقنّع
الأسواق تدرك ذلك، ولهذا تواصل الأصول الخطرة الصمود رغم كل التحذيرات
التداعيات العالمية
ضعف الدولار الهيكلي يخلق آثارًا واسعة
- دعم نسبي للأسواق الناشئة مع تقلبات عالية
- استفادة السلع والمعادن
- عودة الذهب والفضة كأدوات تحوط نقدي
- تحميل الحلفاء جزءًا من تكلفة العجز الأمريكي
الخطر الحقيقي ليس الانهيار الفوري، بل تحول الاستثناء إلى قاعدة
عندما يصبح العجز طبيعيًا والدين مألوفًا وتآكل العملة سياسة لا أزمة.
معضلة الدولار ليست سؤالًا عن سقوطه، بل عن كم من القوة الشرائية يجب التضحية بها لإبقاء النظام قائمًا
والتاريخ واضح العملات الاحتياطية لا تموت فجأة… بل تضعف ببطء