preloader
إلى أين يتجه سعر الفضة بعد تجاوز 100 دولار للأوقية لأول مرة في التاريخ؟

إلى أين يتجه سعر الفضة بعد تجاوز 100 دولار للأوقية لأول مرة في التاريخ؟

تشير التطورات الأخيرة في سوق الفضة إلى تحولات عميقة تتجاوز التقلبات السعرية المعتادة، وتكشف عن ضغوط حقيقية في السوق الفعلي قد تكون لها آثار كبيرة على الأسعار خلال المرحلة المقبلة. هذه الإشارات لا تظهر بوضوح على الرسوم البيانية اليومية، لكنها تتجلى بوضوح في بنية السوق نفسها، لا سيما في معدلات الإقراض، ومراكز التسعير العالمية، والتوازن بين العرض والطلب

أولًا: معدلات الإقراض في لندن وإشارات شح المعروض

تُعد لندن المركز العالمي الأهم لتداول الفضة المادية. في هذا السوق، لا يقتصر النشاط على البيع والشراء، بل يشمل أيضًا إقراض الفضة بين المؤسسات لتغطية فروقات التوقيت بين الالتزامات بالتسليم وتوفر المعدن فعليًا. في الظروف الطبيعية، تتراوح معدلات الإقراض قصيرة الأجل (شهر واحد) حول مستوى 0%، وقد ترتفع أو تنخفض بشكل طفيف تبعًا لوفرة المخزون

غير أن تجاوز هذه المعدلات حاجز 1% يُعد تاريخيًا إشارة واضحة على توتر في السوق. حاليًا، تتداول معدلات الإقراض قرب 2.5%، وهو مستوى نادر الحدوث ولا يظهر إلا في حالات النقص الحاد في الفضة المادية. هذه الارتفاعات لا تعكس مضاربة مالية، بل تعكس طلبًا فعليًا على المعدن نفسه، ما يضع حدًا أدنى قويًا للأسعار ويقلل من احتمالات الهبوط الحاد

ثانيًا: انتقال مركز التسعير من الغرب إلى الشرق

يشهد سوق الفضة تحولًا تدريجيًا في مركز الثقل من الأسواق الغربية إلى الأسواق الشرقية، وعلى رأسها الصين. يعود ذلك بالأساس إلى أن الطلب الحقيقي على الفضة، خاصة لأغراض صناعية، بات يتركز بشكل متزايد في آسيا. تمثل الصين اليوم أكبر منتج للألواح الشمسية عالميًا، والطاقة الشمسية تُعد أحد أهم مصادر الطلب الهيكلي طويل الأجل على الفضة

يضاف إلى ذلك اختلاف جوهري في بنية الأسواق؛ فعقود الفضة المتداولة في شنغهاي مرتبطة دائمًا بالتسليم الفعلي، في حين تسمح الأسواق الغربية بتدوير العقود أو تسويتها نقديًا. هذا الفارق يجعل سوق شنغهاي انعكاسًا مباشرًا لحالة العرض والطلب الفعليين. خلال الفترة الأخيرة، جرى تداول الفضة في شنغهاي فوق مستوى 100 دولار للأونصة لعدة أيام متتالية، مع تسجيل مستويات تجاوزت 110 دولارات، ما يعكس شحًا حقيقيًا في المعروض ويعطي مؤشرًا متقدمًا على الاتجاه المحتمل للأسعار عالميًا

ثالثًا: الفضة في سياق أزمة الدين العالمي

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي مستويات تاريخية من المديونية. تُقدّر قيمة الديون الاستثمارية في أكبر 28 اقتصادًا بنحو 78 تريليون دولار، في حين لا تتجاوز القيمة السوقية الإجمالية للفضة نحو 5 تريليونات دولار. هذا التفاوت الكبير يعني أن أي إعادة تخصيص محدودة لرؤوس الأموال الباحثة عن الحماية من التضخم أو من سياسات الكبح المالي قد يكون لها تأثير غير متناسب على أسعار الفضة

تاريخيًا، في فترات الديون المرتفعة وأسعار الفائدة الحقيقية السلبية، تسعى رؤوس الأموال إلى الأصول الحقيقية، وتكون المعادن الثمينة من أبرز المستفيدين من هذه التحولات

رابعًا: العلاقة التاريخية بين الذهب والفضة

لطالما تحرك الذهب والفضة كمعادن نقدية تستجيب للعوامل نفسها، مثل التضخم، وفقدان الثقة في النظام المالي، والاضطرابات الجيوسياسية. ويُعد معدل الذهب إلى الفضة أحد المؤشرات التاريخية المهمة، إذ يميل هذا المعدل على المدى الطويل إلى العودة نحو متوسطه التاريخي القريب من 29. في حال استقر الذهب عند مستويات مرتفعة، فإن عودة هذا المعدل نحو متوسطه تعني ضمنيًا أسعارًا أعلى للفضة مقارنة بمستوياتها الحالية.

خامسًا: دور الذهب والدولار في المرحلة القادمة

غالبًا ما يتصدر الذهب حركة الصعود في أسواق المعادن الثمينة، بينما تلحق به الفضة بوتيرة أسرع في المراحل المتقدمة من الدورة. في الوقت نفسه، يظل الذهب والفضة البديلين الطبيعيين للدولار، خصوصًا في ظل تراجع الثقة في العملة الأمريكية كعملة احتياط محايدة، وتسارع توجه بعض الدول إلى تقليص اعتمادها عليها. أي كسر للاتجاه الصاعد طويل الأجل للدولار قد يؤدي إلى تسارع التدفقات نحو المعادن الثمينة، مع استفادة الفضة بشكل ملحوظ من هذه الديناميكية.

خلاصة

تشير مجموعة هذه العوامل شح المعروض الفعلي، انتقال مركز التسعير شرقًا، اختلالات الدين العالمي، والعلاقات التاريخية بين الذهب والفضة إلى أن سوق الفضة قد يكون مقبلًا على مرحلة مختلفة جذريًا عما شهده في السنوات الماضية. وفي هذا السياق، لا يتعلق السؤال الرئيسي بما إذا كانت الفضة ستتحرك، بل بكيفية وحجم وسرعة هذه الحركة في ظل بيئة نقدية ومالية عالمية متغيرة